تحقيقات صادمة داخل شرطة لندن بعد استخدام الذكاء الاصطناعي لكشف فساد وسوء سلوك وتحايل إداري شمل مئات الضباط والموظفين البريطانيين.
فتحت شرطة العاصمة البريطانية متروبوليتان شرطة لندن تحقيقات داخلية واسعة بعد استخدام نظام ذكاء اصطناعي متطور لتحليل بيانات الضباط والموظفين، في خطوة وُصفت بأنها واحدة من أكبر حملات “التنظيف الداخلي” داخل جهاز أمني بريطاني خلال السنوات الأخيرة.
القضية أثارت صدمة واسعة في المملكة المتحدة، بعدما تمكن النظام من كشف مئات الحالات المرتبطة بسوء السلوك والفساد والتلاعب الإداري داخل الشرطة، ليس عبر تحقيقات بشرية تقليدية، بل من خلال تحليل البيانات والأنماط الرقمية.
وبحسب التقارير البريطانية، استخدمت الشرطة برنامجًا متقدمًا لتحليل كميات ضخمة من المعلومات الداخلية، بينها سجلات الدوام، وساعات العمل الإضافية، وأنظمة تبديل المناوبات، وبطاقات دخول المباني، وبيانات العمل من المنزل، إضافة إلى الشكاوى الداخلية واستخدام الأنظمة الحاسوبية الخاصة بالشرطة.
ومن خلال الربط بين هذه البيانات، تمكن الذكاء الاصطناعي من اكتشاف أنماط غير طبيعية أثارت شبهات حول وجود فساد أو إساءة استخدام للسلطة أو استغلال للأنظمة الإدارية داخل المؤسسة الأمنية نفسها.
النتائج كانت صادمة، إذ جرى فتح تحقيقات بحق نحو 100 ضابط وموظف، بينما تلقى مئات آخرون تحذيرات أو إنذارات داخلية بعد الاشتباه في تورطهم بمخالفات مختلفة.
وشملت القضايا التي يجري التحقيق فيها:
- التلاعب بالمناوبات للحصول على أموال إضافية أو إجازات
- تسجيل حضور وهمي للمكاتب أثناء العمل من المنزل
- إساءة استخدام الأنظمة الحاسوبية
- استغلال النفوذ
- فساد مالي وإداري
- مزاعم تحرش واعتداءات جنسية
- مخالفات تتعلق بإخفاء علاقات أو عضويات يجب الإفصاح عنها
كما كشفت التحليلات وجود حالات متكررة لضباط كانوا يسجلون وجودهم داخل مقار الشرطة عبر بطاقات الدخول، رغم أن أنماط العمل والاتصالات والأنظمة أظهرت أنهم لم يكونوا يمارسون عملًا فعليًا داخل المكاتب.
القضية جاءت في وقت تواجه فيه شرطة لندن أصلًا أزمة ثقة كبيرة بعد سلسلة فضائح هزت المؤسسة خلال الأعوام الماضية، بينها اتهامات بالعنصرية والفساد والاعتداءات الجنسية وسوء استخدام السلطة.
ولهذا اعتبر كثيرون أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خيار تقني، بل محاولة لإنقاذ سمعة المؤسسة الأمنية واستعادة ثقة الجمهور البريطاني.
لكن في المقابل، أثار المشروع مخاوف واسعة داخل بريطانيا، خصوصًا بسبب طبيعة أنظمة المراقبة والتحليل المستخدمة، وإمكانية توسعها مستقبلًا لمراقبة الموظفين أو المواطنين بشكل أكبر.
منتقدو المشروع حذروا من أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى أداة مراقبة ضخمة داخل أجهزة الدولة، خصوصًا إذا جرى الاعتماد على تحليل البيانات والسلوكيات الرقمية لاتخاذ قرارات حساسة دون رقابة بشرية كافية.
كما أبدت منظمات حقوقية ونقابات شرطية قلقها من احتمال وقوع أخطاء أو اتهامات غير دقيقة بسبب اعتماد الأنظمة على تحليل الأنماط الرقمية بدل الأدلة التقليدية المباشرة.
ورغم ذلك، تؤكد الشرطة البريطانية أن التقنية الجديدة ساعدت في كشف مخالفات كان من الصعب اكتشافها بالطرق التقليدية، وأن الهدف منها هو رفع المعايير المهنية ومنع استغلال السلطة داخل الجهاز الأمني.
وتشير التقارير إلى أن السلطات البريطانية تدرس بالفعل توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في مجالات أخرى داخل العمل الشرطي، مثل تحليل الجرائم، والتعرف على الأنماط الخطرة، وتسريع التحقيقات، ودعم تقنيات التعرف على الوجوه.
القضية فتحت نقاشًا واسعًا داخل المملكة المتحدة حول مستقبل العلاقة بين الأمن والذكاء الاصطناعي، وأعادت طرح سؤال حساس يتردد بقوة داخل الأوساط السياسية والحقوقية البريطانية:
إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على كشف فساد الشرطة نفسها، فإلى أي مدى يمكن أن تصل قدرته على مراقبة المجتمع بأكمله؟
COMMENTS