بلغ عدد الوفيات بسبب تعاطي المخدرات في عام 2024 نحو 1,017 حالة، أي أقل بـ 155 حالة عن عام 2023.
تقرير BBC || كشفت الأرقام الرسمية الحديثة أن اسكتلندا ما زالت تحتل المرتبة الأولى في أوروبا من حيث وفيات تعاطي المخدرات، وللعام السابع على التوالي، على الرغم من تسجيل انخفاض ملحوظ بنسبة 13% في عدد الوفيات.
فقد بلغ عدد الوفيات بسبب تعاطي المخدرات في عام 2024 نحو 1,017 حالة، أي أقل بـ 155 حالة عن عام 2023. وأشارت "السجلات الوطنية لاسكتلندا" إلى أن هذا الرقم هو الأدنى منذ عام 2017، لكنه يرفع العدد الكلي خلال العقد الأخير إلى 10,884 وفاة.
وبعد تعديل الأرقام بحسب الفئات العمرية، وصل معدل الوفيات إلى 191 حالة وفاة لكل مليون شخص في اسكتلندا عام 2024. ووفقًا لأحدث البيانات الأوروبية، جاءت إستونيا في المرتبة التالية بمعدل 135 وفاة لكل مليون شخص في عام 2023.
من جانبها، اعتبرت وزيرة شؤون المخدرات في اسكتلندا، «ماري تود»، أن الانخفاض "موضع ترحيب"، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن "العمل لم ينته بعد".
ومع ذلك، أعرب الخبراء عن قلقهم من أن يعود عدد الوفيات للارتفاع مجددًا في عام 2025، خصوصًا مع ظهور أفيونات اصطناعية قاتلة تُعرف باسم "النيتازينات".
«كيرستن هورسبرغ»، الرئيسة التنفيذية لمنتدى المخدرات الاسكتلندي، وصفت الوضع بأنه "أزمة فوق أزمة"، مؤكدة أن الوفيات المشتبه بها في مطلع عام 2025 "أعلى بالفعل مما كانت عليه العام الماضي".
جذور الأزمة: من انهيار الصناعة إلى الاغتراب الاجتماعي
ترتبط هذه الأزمة بجذور اجتماعية واقتصادية عميقة تعود إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حين شهدت اسكتلندا تحوّلًا اقتصاديًا جذريًا بعيدًا عن الصناعات الثقيلة.
فمع توقف أحواض بناء السفن ومصانع الصلب والمناجم، وجد جيل كامل من الرجال، الذين ارتبطت هويتهم وكرامتهم بما كانوا يصنعونه، أنفسهم في مواجهة صعوبة التكيف مع واقع جديد.
وفي الوقت ذاته، تغيّر المجتمع بسرعة. فالأحياء الفقيرة القديمة هُدمت، لكن كثيرًا من العائلات نُقلت إلى أبراج سكنية معزولة ورطبة وتفتقر إلى الخدمات الأساسية. وكانت النتيجة بيئة خصبة للبطالة، تفكك الأسر، وانتشار الإدمان.
"الاغتراب": المشكلة الاجتماعية الكبرى
في عام 1972، ألقى النقابي «جيمي ريد» خطابًا شهيرًا في جامعة غلاسكو وصف فيه "الاغتراب" بأنه "المشكلة الاجتماعية الكبرى" في بريطانيا.
قال ريد إن الرجال آنذاك شعروا بأنهم "ضحايا لقوى اقتصادية عمياء خارجة عن سيطرتهم"، ما أدى إلى "شعور باليأس وانعدام الأمل يسيطر على من يشعرون بحق أنهم لا يملكون كلمة حقيقية في تحديد مصائرهم".
وأشار إلى أن أحد مظاهر هذا الاغتراب كان "اللجوء إلى الهروب الدائم من الواقع من خلال المسكرات والمخدرات".
واليوم، بعد مرور نصف قرن على ذلك الخطاب، لا تزال اسكتلندا تصارع نفس الإشكالية: اغتراب اجتماعي يقترن بإدمان الكحول والمخدرات.
تزايد التحديات عبر العقود
شهدت اسكتلندا في ثمانينيات القرن الماضي مستويات مرتفعة من البطالة، أعقبها تقليص في الإنفاق العام عقب الأزمة المالية العالمية عام 2007/2008. وفي العقد الأخير، أضيفت أزمة تكاليف المعيشة المتصاعدة إلى التحديات القائمة.
وبحلول 2024، أصبح سكان المناطق الأكثر حرمانًا في اسكتلندا أكثر عرضة للوفاة بسبب تعاطي المخدرات بمعدل 12 مرة مقارنة بسكان المناطق الأغنى.
ولسنوات طويلة، كان الإدمان على المخدرات ظاهرة ذكورية بامتياز. ففي أوائل العقد الأول من الألفية، كان الرجال أكثر عرضة للوفاة بجرعة زائدة بمعدل خمسة أضعاف النساء، وإن تقلصت الفجوة لاحقًا إلى الضعف فقط.
من الهيروين إلى "ترينسبوتينغ"
منذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأت كميات كبيرة من الهيروين تتدفق من أفغانستان وإيران إلى اسكتلندا، لتترك آثارًا مدمرة.
ترافق ذلك مع مشاركة الحقن الملوثة بين متعاطي المخدرات بالحقن، ومع ظهور فيروس HIV، ما أدى إلى أزمة صحية عامة صُوّرت بوضوح في رواية إرفين ويلش الشهيرة "ترينسبوتينغ" (1993) وفيلمها السينمائي.
ومع مرور العقود، تطورت الأزمة لتصبح أكثر تعقيدًا مع انتشار تعاطي مزيج من المخدرات. ففي عام 2024، كان أربعة من كل خمسة وفيات مخدرات مرتبطة بتناول أكثر من مادة واحدة.
المخدرات كجزء من الثقافة؟
لا تقتصر مظاهر الأزمة على الجرعات الزائدة فقط. فمعدلات الانتحار في اسكتلندا أعلى من بقية أجزاء المملكة المتحدة، كما تسجل البلاد واحدًا من أعلى مستويات الوفيات المرتبطة بالكحول في أوروبا.
وترتبط هذه الظواهر غالبًا بالفقر. ففي عام 2023، كانت الوفيات الناجمة مباشرة عن الكحول أعلى بمعدل 4.5 مرات في أفقر مناطق اسكتلندا مقارنة بأغناها.
وترى «آنماري وورد»، المديرة التنفيذية لجمعية "وجوه وأصوات التعافي" في المملكة المتحدة، أن اسكتلندا طورت "نزعة نحو النسيان"، معتبرة أن "المخدرات غير الشرعية أصبحت جزءًا من الثقافة الوطنية".
وأضافت: "لقد أصبح الأمر طبيعيًا، لكنني لا أعتقد أن علينا قبول هذه الطبيعية".
عوامل إضافية: ذكورية المجتمع والشتاء الطويل
يؤكد خبراء أن الحرمان واليأس لا يكفيان وحدهما لتفسير الأزمة. فقد طُرحت تفسيرات أخرى، من بينها ثقافة ذكورية صاخبة وميل الرجال إلى تجنب طلب المساعدة النفسية، فضلًا عن تأثير طول ليالي الشتاء المظلمة.
كما يرى البعض أن سنوات التعاطي بدأت الآن تلحق بجيل "ترينسبوتينغ" المتقدم في السن، إذ ارتفع متوسط عمر المتوفين من تعاطي المخدرات من 32 عامًا عام 2000 إلى 45 عامًا في 2024.
الصدمات المتوارثة عبر الأجيال
تطرح نظرية أخرى احتمال أن يكون "تأثير الصدمات" هو أحد أبرز العوامل.
ففي بلد صغير مثل اسكتلندا، يؤدي فقدان أكثر من ألف شخص سنويًا بسبب المخدرات إلى تداعيات كارثية على أسرهم وأصدقائهم.
وتقول الدكتورة «سوزانا غاليا-سينغر»، رئيسة قسم الإدمان في الكلية الملكية للأطباء النفسيين في اسكتلندا: "يكاد لا يوجد شخص يطلب العلاج إلا وقد تعرض لصدمة ما".
وأظهرت مراجعة نشرتها "الصحة العامة في اسكتلندا" أن 602 طفل فقدوا والدًا أو شخصية أبوية بسبب جرعة زائدة في عام 2020 وحده.
انعطافة عام 2015: التمويل والفاليوم المزيّف
يشير الخبراء إلى سببين رئيسيين للارتفاع الكبير في عدد الوفيات بعد عام 2015:
-
تخفيض التمويل: قامت الحكومة الاسكتلندية بتقليص ميزانيات "شراكات الكحول والمخدرات" التي كانت تنسّق خدمات الإدمان المحلية، ما أدى إلى تراجع حجم الخدمات وتقليص عدد العاملين. وقد وصفت كيرستن هورسبرغ هذه التخفيضات بأنها "كارثية".
-
ظهور "فاليوم الشارع": في الفترة نفسها تقريبًا، ظهرت أقراص بنزوديازيبين خطيرة في الشوارع، وهي نسخة مزيفة وقوية من دواء "فاليوم"، تسببت في وفيات عديدة.
وقد اعترفت «نيكولا ستيرجن»، الوزيرة الأولى حينها، بأن حكومتها "غفلت عن الأزمة" في تلك المرحلة.
انقسام حول الحلول: تقليل الضرر أم إعادة التأهيل؟
تظل مسألة كيفية معالجة الأزمة موضوع جدل واسع.
الكثير من خبراء الصحة العامة يؤيدون نهج "تقليل الضرر"، مثل توفير بدائل كالميثادون، وتوزيع الحقن النظيفة، وإنشاء غرف لاستهلاك المخدرات كما في غلاسكو.
في المقابل، تدعو «آنماري وورد» إلى التركيز على إعادة التأهيل بدلًا من الاكتفاء بتقليل الضرر، وتطالب بإشراك مؤسسات المجتمع المدني في تقديم خدمات التعافي بعيدًا عن بيروقراطية القطاع الصحي العام.
التهديد الجديد: "النيتازينات"
يحذر الخبراء من أن الوضع مرشح للتفاقم بسبب ظهور الأفيونات الاصطناعية المعروفة باسم "النيتازينات"، التي تُعد أقوى 100 مرة من الهيروين.
ففي عام 2024 وحده، ارتبطت هذه المواد بـ 76 وفاة، أي ثلاثة أضعاف العام السابق. ويُخشى من أن تشهد الأعداد ارتفاعًا هائلًا في 2025، خاصة مع استخدامها لخلط الكوكايين.
وسجلت وفيات الكوكايين في اسكتلندا 479 حالة في 2023، وظلت عند المستوى ذاته في 2024، وهو رقم قياسي تاريخي.
أزمة معقدة بلا حل قريب
والخوف الأكبر أن يكون تراكم هذه العوامل وإنتاجها تأثيرًا مركبًا يجعل الخروج من هذه الدوامة شبه مستحيل في المدى المنظور.
COMMENTS