"كثيرًا من المهاجرين لا يأتون من دول مزقتها الحروب، بل من فرنسا التي لا تضطهدهم"
أزمة القوارب الصغيرة لم تعد مجرد ملف سياسي أو إداري، بل تحولت إلى قضية يومية تشعل غضب الناس في الشارع البريطاني. كثير من السكان يرون أن الحكومة تتأخر في إخلاء فنادق اللجوء وأن القوانين مليئة بالثغرات، فيما تتصاعد الاحتجاجات كلما وقع حادث مرتبط بطالبي اللجوء. وبالمقابل، يخشى آخرون من أن تؤدي هذه السياسات المشددة إلى زيادة معاناة اللاجئين ودفعهم أكثر نحو أيدي المهربين. ومع استمرار هذا التجاذب، يبدو أن ملف الهجرة سيبقى ورقة ضغط أساسية في السياسة البريطانية، وقد يتحول إلى عامل حاسم في صناديق الاقتراع المقبلة.
شهد مجلس العموم البريطاني، أمس، سجالًا حادًا حول أزمة القوارب الصغيرة والهجرة غير الشرعية، بعدما أعلنت وزيرة الداخلية «يفيت كوبر» عن إجراءات جديدة لتشديد قواعد اللجوء. وجاءت هذه التطورات وسط ضغوط متزايدة من نواب حزب العمال أنفسهم، الذين انتقد بعضهم الحكومة لعدم اتخاذ تدابير أكثر صرامة.
تعليق مسار لمّ شمل الأسر
كشفت وزيرة الداخلية عن تعليق الطلبات الجديدة عبر مسار لمّ شمل أسر اللاجئين، مبررة القرار بالضغط المتزايد على المجالس المحلية، حيث أكدت أن بعض السلطات باتت تسجل أكثر من ربع طلبات التشرد مرتبطة بهذا المسار. وأشارت كوبر إلى أن عصابات تهريب البشر تستغل فكرة لمّ الشمل كعامل جذب لتشجيع المزيد من المهاجرين على ركوب القوارب الخطرة.
وأكدت الوزيرة أن اللاجئين سيخضعون مؤقتًا لـ"نفس قواعد الهجرة الأسرية كبقية الناس"، على أن يتم الإعلان عن إصلاحات جديدة قبل الربيع المقبل، على غرار بعض الدول الأوروبية التي تمنع اللاجئين من التقدم بطلبات لمّ شمل قبل مرور عامين على الأقل من قبول لجوئهم.
انتقادات من داخل حزب العمال
غير أن النائب العمالي المخضرم «غراهام سترينغر» اعتبر هذه الإجراءات غير كافية، مشيرًا إلى أن "كثيرًا من المهاجرين لا يأتون من دول مزقتها الحروب، بل من فرنسا التي لا تضطهدهم". وأضاف أن بريطانيا ما زالت تُعتبر وجهة أسهل مقارنة بفرنسا ودول أوروبية أخرى. ودعا سترينغر إلى تبني النموذج الدنماركي الأكثر صرامة.
وردت كوبر بالتأكيد على أن الاتفاق التجريبي مع فرنسا، المعروف بـ"واحد مقابل واحد"، سيمكن بريطانيا من إعادة المهاجرين إلى الأراضي الفرنسية مقابل استقبال طلبات لجوء قانونية معتمدة، وهو ما وصفته بأنه إنجاز لم تحققه الحكومات السابقة.
قلق حول أمن المجتمعات
طرحت النائبة العمالية جودي غوسلينغ (نانيتون) تساؤلات حول آليات التوزيع العادل لطالبي اللجوء، خاصة للفئات عالية المخاطر، مؤكدة أن الأمر بات ضروريًا لـ"حماية السكان ومنع الفوضى". وردت كوبر بأن الحكومة تعمل على "تشديد الرقابة عند الحدود" وتعزيز التنسيق بين الشرطة ووزارة الداخلية لضمان السلامة العامة في مراكز الإيواء.
وتأتي هذه التصريحات بعد احتجاجات شهدتها عدة مدن، أبرزها أمام فندق بيل في مقاطعة إسكس، إثر اتهام أحد طالبي اللجوء بالاعتداء الجنسي على فتاة مراهقة، وهو ما نفاه المتهم.
هيئة جديدة وملف العمل غير القانوني
أعلنت وزيرة الداخلية عن إنشاء هيئة مستقلة جديدة للنظر في طعون اللجوء، مؤكدة أن فترة الانتظار الحالية تصل إلى 54 أسبوعًا في المتوسط.
كما أثارت النائبة العمالية سالي جيمسون (دونكاستر سنترال) قضية استغلال بعض طالبي اللجوء في أعمال توصيل الطعام عبر تطبيقات مثل Deliveroo وJust Eat وUber Eats، مطالبة بفرض "ضريبة استثنائية" على هذه الشركات. وردت كوبر بالتأكيد على اتفاق جديد مع هذه المنصات لمنع توظيف غير المصرح لهم بالعمل.
ردود الفعل
أثار قرار تعليق لمّ الشمل انتقادات واسعة من منظمات حقوقية، حيث وصفت منظمة العفو الدولية الخطوة بأنها "متهورة وخاطئة"، بينما اعتبر مجلس اللاجئين أن التغييرات "ستدفع المزيد من الأشخاص إلى الاعتماد على المهربين بدلًا من تقليل المخاطر".
في المقابل، شدد رئيس الوزراء «كير ستارمر» على أنه "يتفهم تمامًا" مخاوف المواطنين، متعهدًا بتسريع عملية إخلاء فنادق إيواء طالبي اللجوء قبل الانتخابات المقبلة، رغم أن الخطة الحكومية الحالية تمتد حتى عام 2029.
موقف المعارضة
من جهتها، اتهمت زعيمة المحافظين «كيمي بادنوتش» حزب العمال بعدم امتلاك "الإرادة الكافية" لاتخاذ خطوات صارمة، بينما اعتبر وزير الداخلية في حكومة الظل «كريس فيلب» أن "التعديلات الطفيفة" لن تكون كافية لحل أزمة الهجرة غير الشرعية.
وفي ختام الجدل، تمسكت الحكومة بالتأكيد على أنها لا تعتزم مغادرة الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، على الرغم من مطالبات يمينية باعتبارها عائقًا أمام سياسات الهجرة.
COMMENTS