تعتزم بريطانيا إنشاء سجل طبي موحد للمرضى يجمع بيانات أطباء الأسرة والمستشفيات في نظام واحد لتحسين الرعاية الصحية وتسريع العلاج.
تستعد الحكومة البريطانية لواحدة من أكبر عمليات التحديث الرقمي في تاريخ هيئة الخدمات الصحية الوطنية، مع مناقشة البرلمان للمرة الأولى مشروع إنشاء «السجل الموحد للمريض» في إنجلترا، وهو نظام جديد يهدف إلى جمع المعلومات الطبية للمريض من مختلف الجهات الصحية في ملف واحد يمكن الوصول إليه من قبل العاملين في الرعاية الصحية أينما تلقى المريض العلاج.
ويأتي المشروع ضمن حزمة إصلاحات أوسع يتضمنها مشروع قانون تحديث هيئة الخدمات الصحية الوطنية، الذي سيُعرض على مجلس العموم البريطاني، وسط تأكيدات حكومية بأن هذه الخطوة ستسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية، وتقليل البيروقراطية، وتوفير ملايين الجنيهات الإسترلينية سنويًا.
وبموجب المقترحات الجديدة، ستُدمج سجلات أطباء الأسرة والمستشفيات وخدمات الصحة النفسية وغيرها من الخدمات الصحية في سجل موحد على مستوى إنجلترا، ما يتيح للأطباء والكوادر الصحية الاطلاع على التاريخ الطبي للمريض بصورة أكثر شمولًا ودقة، دون الحاجة إلى الاعتماد على أنظمة منفصلة أو مطالبة المرضى بإعادة شرح معلوماتهم الصحية في كل مرة ينتقلون فيها بين المؤسسات الطبية المختلفة.
وترى وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية أن النظام الجديد سيمنح العاملين في القطاع الصحي صورة أكثر تكاملًا عن الحالة الصحية للمريض، الأمر الذي قد يساعد على اتخاذ قرارات علاجية أكثر أمانًا وفاعلية، كما تتوقع الوزارة أن يسهم المشروع في توفير أكثر من 20 مليون جنيه إسترليني لهيئة الخدمات الصحية الوطنية من خلال تقليل الازدواجية وتحسين كفاءة العمل.
ويُنظر إلى السجل الموحد للمريض باعتباره أحد أبرز مشاريع التحول الرقمي داخل القطاع الصحي البريطاني، إذ من المقرر أن تبدأ هيئة الخدمات الصحية الوطنية إطلاق الخدمة الإلكترونية الجديدة خلال عام 2027. وستكون الخدمة اختيارية، وتتيح للمرضى التواصل رقميًا مع الأطباء والمتخصصين الصحيين في مختلف أنحاء إنجلترا، قبل أن يتمكن المرضى اعتبارًا من عام 2028 من الوصول إلى سجلاتهم الطبية مباشرة عبر تطبيق هيئة الخدمات الصحية الوطنية على الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية.
ويؤكد مؤيدو المشروع أن الفوائد المحتملة تتجاوز مجرد جمع البيانات في مكان واحد، إذ يرون أنه قد يساهم في تحسين استمرارية الرعاية الصحية بين المؤسسات المختلفة، وتسريع الاستجابة الطبية في حالات الطوارئ، والحد من تكرار الفحوصات والإجراءات الطبية التي تُجرى أحيانًا بسبب عدم توفر المعلومات الكاملة لدى الجهة المعالجة.
كما يمكن أن يقلل النظام الجديد من العبء الواقع على المرضى أنفسهم، خاصة أولئك الذين يعانون من حالات صحية معقدة أو أمراض مزمنة تتطلب مراجعة أكثر من جهة طبية. ففي الوقت الحالي، يضطر كثير من المرضى إلى إعادة سرد تاريخهم الطبي وأدويتهم السابقة وتشخيصاتهم في كل مرة يتعاملون فيها مع مؤسسة صحية مختلفة، وهو أمر تأمل السلطات أن يصبح أقل شيوعًا بعد تطبيق النظام الجديد.
وتشير هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى أن المرضى سيتمكنون من الاطلاع على بياناتهم الصحية، كما سيكون لديهم مستوى من التحكم في سجلاتهم الطبية، إلا أن الآليات الدقيقة التي ستحدد طبيعة هذا التحكم وحدوده لم تُعلن بصورة مفصلة حتى الآن.
ويرى مسؤولو القطاع الصحي أن النساء الحوامل قد يكنّ من أكثر الفئات استفادة من المشروع، إذ يُطلب من كثير منهن خلال أول موعد مع القابلة القانونية استعراض تاريخهن الطبي الكامل، بما في ذلك تفاصيل حالات الحمل السابقة والمضاعفات الصحية التي تعرضن لها، وهو أمر يعتمد في كثير من الأحيان على الذاكرة الشخصية. ويقول مختصون إن هذا الوضع قد يؤدي أحيانًا إلى فقدان أو إغفال معلومات مهمة، كما قد يسبب ضغوطًا نفسية لبعض النساء اللواتي سبق أن مررن بتجارب مؤلمة مثل فقدان طفل أو التعرض لمضاعفات حمل خطيرة.
وفي الوقت نفسه، أثار المشروع نقاشًا واسعًا حول مسألة الخصوصية وحماية البيانات الطبية الحساسة. فقد أكد وزير الصحة جيمس موراي أن النظام الجديد سيجعل الرعاية الصحية أكثر أمانًا ويساعد الأطباء والعاملين في القطاع الصحي على توفير الوقت وتحسين الخدمات المقدمة للمرضى.
إلا أن الجمعية الطبية البريطانية أعربت عن مخاوفها من التداعيات المحتملة على خصوصية المرضى، محذرة من أن التشريعات الجديدة قد تفتح الباب أمام استخدام بيانات المرضى بطرق لا تحظى بالوضوح الكافي أو الرقابة المناسبة.
وبحسب المقترحات المطروحة، لن يبقى أطباء الأسرة الجهة المسؤولة قانونيًا عن إدارة بيانات السجل المشترك الجديد. وبدلًا من ذلك، ستنتقل هذه المسؤولية إلى هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا، التي ستصبح صاحبة الصلاحية في تحديد كيفية استخدام البيانات، والجهات التي يحق لها الوصول إليها، كما ستكون مسؤولة قانونيًا في حال وقوع أي خرق أو إساءة استخدام للمعلومات.
وحذر الدكتور ديفيد ريغلي، نائب رئيس لجنة أطباء الأسرة في إنجلترا التابعة للجمعية الطبية البريطانية، من أن هذه التغييرات تثير تساؤلات جوهرية حول الجهة التي ستتولى حماية بيانات المرضى وضمان استخدامها بالشكل الصحيح.
وأشار ريغلي إلى أن الصورة النهائية للنظام المقترح لا تزال غير واضحة، موضحًا أنه لم يتحدد بعد ما إذا كان المشروع سيعتمد على تطوير الأنظمة الحالية المستخدمة داخل هيئة الخدمات الصحية الوطنية، مثل نظام GP Connect الذي يسمح بالفعل بمشاركة بعض بيانات أطباء الأسرة مع الجهات الصحية التي تقدم الرعاية المباشرة، أم أنه سيقوم على إنشاء نسخة جديدة ومتكاملة من السجلات الصحية الحالية تخضع لإدارة مركزية أوسع.
وأضاف أن عيادات أطباء الأسرة ستحتفظ، وفق الخطط الحالية، بالسيطرة على سجلاتها المحلية الخاصة، بينما سيعمل السجل الوطني المشترك الجديد بالتوازي معها ضمن منظومة أوسع لتبادل المعلومات الصحية.
وفي سياق متصل، يتضمن مشروع القانون إصلاحات هيكلية أخرى من بينها إلغاء هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا ونقل معظم صلاحياتها إلى وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية أو إلى مجالس الرعاية المتكاملة، في خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى تقليص البيروقراطية والازدواجية الإدارية، وتوجيه مزيد من الموارد نحو الخدمات الصحية المباشرة التي يتلقاها المرضى.
ومن المتوقع أن يدعو وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ الحكومة إلى مواصلة تنفيذ هذه الإصلاحات، معتبرًا أن السجل الموحد للمريض يمثل أحد أهم مشاريع تحديث هيئة الخدمات الصحية الوطنية منذ عقود.
ويؤكد ستريتينغ أن التحسينات الأخيرة التي شهدتها خدمات الهيئة لا يمكن تفسيرها بزيادة التمويل وحدها، مشددًا على أن الاستثمار المالي يجب أن يترافق مع إصلاحات هيكلية وتكنولوجية أوسع تشمل تبني التقنيات الحديثة، وتقليص الإجراءات البيروقراطية، ورفع الإنتاجية، وإعادة تصميم أساليب تقديم الرعاية الصحية بما يتناسب مع احتياجات المرضى في العصر الرقمي.
COMMENTS