الخدمة الصحية الوطنية يجب أن تكون بيئة آمنة للجميع، بغض النظر عن العرق أو الدين أو المعتقد - ويس ستريتنغ.
تتجه السلطات البريطانية إلى تنفيذ إصلاحات واسعة على منظومة تنظيم ومساءلة الأطباء، في خطوة تهدف إلى تسريع إجراءات التعامل مع الشكاوى والانتهاكات المهنية، لا سيما تلك المرتبطة بسلوك الأطباء على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأعلنت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية (Department of Health and Social Care) إطلاق مشاورات رسمية لتعديل الإطار التشريعي الذي ينظم عمل المجلس الطبي العام (General Medical Council)، في إطار مساعٍ لتعزيز كفاءة النظام الرقابي وتحسين سرعة البت في القضايا التأديبية.
وبحسب الوزارة، فإن النظام الحالي يواجه انتقادات متزايدة بسبب بطء إجراءاته وتعقيدها، خاصة في التعامل مع حالات تتعلق باستخدام لغة عنصرية أو معادية لليهود من قبل بعض الممارسين، بما في ذلك عبر الفضاء الرقمي.
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب مراجعة عاجلة كلّف بها اللورد جون مان (Lord John Mann)، تناولت مظاهر معاداة السامية وأشكالًا أخرى من التمييز داخل القطاع الصحي، حيث خلصت إلى أن آليات المساءلة القائمة تحتاج إلى تسريع وتبسيط. ومن المنتظر أن تُنشر التوصيات الكاملة للمراجعة خلال الفترة المقبلة.
وبموجب المقترحات، يُتوقع توسيع صلاحيات المجلس الطبي العام للطعن في بعض القرارات المؤقتة الصادرة عن خدمة محاكم ممارسي الطب (Medical Practitioners Tribunal Service)، وهي الجهة المختصة بالنظر في القضايا التأديبية. كما ستُمنح هيئة المعايير المهنية (Professional Standards Authority) دورًا أكبر في مراجعة هذه القرارات والتدقيق فيها.
وفي سياق متصل، يبرز نقاش متزايد حول حدود حرية التعبير للأطباء، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي. ومن بين الحالات التي أثارت جدلًا واسعًا، قضية الطبيب البريطاني من أصل فلسطيني «غسان أبو ستة»، الذي خضع لإجراءات مهنية على خلفية تصريحاته بشأن الحرب في غزة، قبل أن يتمكن من الطعن فيها قضائيًا والحصول على حكم لصالحه.
وأثارت هذه القضية تساؤلات في الأوساط الطبية والحقوقية حول ما إذا كانت بعض الإجراءات التأديبية قد تُستخدم لتقييد التعبير عن مواقف سياسية مشروعة، أم أنها تندرج ضمن الحفاظ على معايير السلوك المهني.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن تثير الإصلاحات المقترحة نقاشًا أوسع بشأن التوازن بين ضمان بيئة صحية خالية من التمييز، واحترام حرية التعبير، لا سيما في ما يتعلق بإبداء مواقف مناهضة للصهيونية أو داعمة للقضية الفلسطينية.
وقد شهدت الفترة الماضية لجوء عدد من الأطباء إلى القضاء، معتبرين أن بعض الإجراءات المتخذة بحقهم تتعارض مع الحماية التي يكفلها قانون المساواة لعام 2010 (Equality Act 2010).
من جهته، قال وزير الصحة البريطاني ويس ستريتنغ (Wes Streeting) إن "الخدمة الصحية الوطنية يجب أن تكون بيئة آمنة للجميع، بغض النظر عن العرق أو الدين أو المعتقد"، مشددًا على أن استمرار شعور بعض المرضى أو العاملين بعدم الأمان "أمر غير مقبول".
بدوره، أكد اللورد جون مان أن "العنصرية، بما في ذلك معاداة السامية، لا مكان لها في القطاع الصحي"، داعيًا إلى فرض "عقوبات سريعة وفعالة" بحق المخالفين.
أما الرئيس التنفيذي للمجلس الطبي العام، تشارلي ماسي (Charlie Massey)، فرأى أن الإصلاحات المقترحة ستُسهم في تسريع الاستجابة للمخاطر التي قد تهدد سلامة المرضى، وتحسين كفاءة الإجراءات، فضلًا عن تسهيل وصول المرضى إلى آليات تقديم الشكاوى.
وتعكس هذه التحركات توجهًا حكوميًا متزايدًا نحو تشديد الرقابة على السلوك المهني للأطباء، خاصة في الفضاء الرقمي، في ظل سعي لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات المساءلة المهنية وحماية حرية التعبير.
COMMENTS