قام الرجلان بتسهيل انتقال مهاجرين من العراق وإيران وسوريا إلى عدة دول في الاتحاد الأوروبي من بينها إيطاليا ألمانيا وفرنسا ولاحقًا إلى المملكة المتحدة
| NCA |
حُكم على رجلين استخدما نشاط مغسلة سيارات في Caerphilly كواجهة لعملية تهريب بشر واسعة النطاق، بالسجن لمدة 19 عامًا لكل منهما، بعد إدانتهما بنقل مئات المهاجرين إلى داخل أوروبا.
وكان كل من دلشاد شمو (Dilshad Shamo) البالغ من العمر 41 عامًا، وعلي خضر (Ali Khdir) البالغ 40 عامًا، يديران مغسلة سيارات في البلدة، غير أن تحقيقًا سريًا استمر ستة أشهر أجرته الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (National Crime Agency – NCA) كشف عن تورطهما في نشاط موازٍ يتمثل في تهريب البشر عبر الحدود الدولية.
| أعلنت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة أنها قدّرت أن أكثر من 1.8 مليون جنيه إسترليني أنفقها أشخاص مقابل الاتجار بهم. المصدر: الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة |
ووفقًا للشرطة، قام الرجلان بتسهيل انتقال مهاجرين من العراق وإيران وسوريا إلى عدة دول في الاتحاد الأوروبي، من بينها إيطاليا وألمانيا وفرنسا، مع ترجيحات بأن عددًا كبيرًا من هؤلاء تمكن لاحقًا من الوصول إلى المملكة المتحدة.
وقد اعتمدت الشبكة على تقديم ثلاث فئات من خدمات التهريب، تبدأ بالطرق البدائية مثل السير على الأقدام أو النقل داخل الشاحنات، مرورًا بالنقل عبر سفن الشحن أو اليخوت، وصولًا إلى أعلى مستوى من الخدمة الذي يتضمن السفر جوًا.
ومن بين المسارات التي جرى توثيقها، طريق جوي من تركيا إلى ألمانيا بلغت تكلفته نحو 13 ألف جنيه إسترليني، ويُعتقد أنه استُخدم من قبل ما لا يقل عن 11 شخصًا خلال فترة المراقبة. كما تشير التحقيقات إلى أن المتهمين سهّلا نقل ما لا يقل عن 142 شخصًا بواسطة سيارات أجرة من كرواتيا إلى إيطاليا مقابل نحو 800 جنيه إسترليني للفرد.
وتُقدّر الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة أن ما لا يقل عن 409 أشخاص تم تهريبهم إلى أوروبا خلال الأشهر الستة التي خضع فيها المتهمان للمراقبة، مع تأكيد أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى، وأن العدد الفعلي قد يتجاوز 600 شخص.
وفي هذا السياق، أكد ديريك إيفانز (Derek Evans)، قائد أحد فروع الوكالة، أن هذا النوع من الجرائم يمثل أولوية قصوى، مشيرًا إلى وجود نحو 100 عملية تحقيق جارية حاليًا في أنحاء المملكة المتحدة، يركز عدد محدود منها على أنشطة محتملة داخل ويلز. وأضاف عقب صدور الحكم أن القضية تبعث برسالة واضحة، لافتًا إلى أن المتهمين كانوا يحظون بصورة إيجابية داخل المجتمع المحلي باعتبارهما من أركانه، غير أن ذلك لم يكن سوى واجهة مضللة.
وأوضح الادعاء أن العمليات المالية المرتبطة بتهريب المهاجرين كانت تُدار عبر نظام غير رسمي لتحويل الأموال يُعرف باسم "الحوالة"، وهو نظام لا يعتمد على البنوك التقليدية ويصعب تتبعه. وقد تولى وكلاء يعملون لصالح المتهمين في العراق وإسطنبول ترتيب عمليات الدفع واستلام الأموال من المهاجرين وفق المسارات المتفق عليها.
| كشفت عملية مراقبة استمرت ستة أشهر أجرتها وكالة مكافحة الجريمة الوطنية (NCA) عن حياة مزدوجة للرجلين كمهربين للبشر. المصدر: وكالة مكافحة الجريمة الوطنية |
وقبيل إلقاء القبض عليه في أبريل/نيسان 2023، التقطت أجهزة تنصت مخفية في سيارات الشرطة تسجيلًا لعلي خضر وهو يطلب من شمو إبلاغ الآخرين بأن نشاطهما يقتصر على تجارة السيارات وتحويل الأموال من بلدهما الأصلي.
وخلال محاكمة استمرت عشرة أيام في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، استمع المتهمان إلى الأدلة المقدمة ضدهما قبل أن يغيرا أقوالهما ويقرا بالذنب. ومع ذلك، تمسكا لاحقًا بأن دورهما لم يكن بالحجم الذي صورته الشرطة، وادعيا أنهما مجرد وسطاء ساعدا في نقل عدد محدود من الأشخاص دون تحقيق أرباح.
إلا أن التحقيقات، التي اعتمدت على أجهزة تنصت في مركباتهما ومكان عملهما، كشفت عن آلاف الرسائل والمحادثات التي وثّقت نشاطهما المكثف وكشفت زيف ادعاءاتهما.
وقد استخدم المتهمان تطبيق "واتساب" للتواصل مع شبكات تهريب بشر في مختلف أنحاء أوروبا، حيث كانا يتلقيان إشارات تأكيد بعد دفع العربون، تتيح نقل المهاجرين عبر مسارات محددة وفي أطر زمنية معينة.
كما لجآ إلى استخدام تطبيقات المراسلة ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر مقاطع فيديو لمهاجرين سبق لهم إتمام الرحلة، بهدف الترويج لمسارات التهريب. وفي أحد هذه المقاطع، ظهرت عائلة سافرت جوًا وهي تعبر عن سعادتها بوصولها، بينما ظهر في مقطع آخر رجل يسافر داخل شاحنة، مشيرًا إلى أن الرحلة تمت بعلم السائق وأنها شملت رجالًا ونساءً وأطفالًا، وأن الطريق كان "سهلًا وجيدًا".
| استخدم الثنائي مقاطع فيديو لأشخاص سبق لهم القيام بالرحلة للترويج لمساراتهم. المصدر: الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة |
وخلال استجوابه أمام المحكمة، سألته محامية الادعاء سارة غونت (Sarah Gaunt) عما إذا كان دافعهما هو تحقيق مكاسب مالية، فأجاب ساخرًا بأنه لو كان كذلك لامتلك سيارة فاخرة وقصرًا، متسائلًا عن سبب استمراره في العمل بمغسلة سيارات وامتلاكه مبلغًا محدودًا في حسابه البنكي.
غير أن الادعاء أوضح أن غياب الأدلة المالية المباشرة يُعد أمرًا شائعًا في مثل هذه القضايا، نظرًا لاعتماد نظام الحوالة غير القابل للتتبع.
وخلال جلسة خاصة عُقدت في محكمة التاج في كارديف (Cardiff Crown Court) في أبريل/نيسان 2026، أدلى المتهمان بشهادتهما، حيث أشار شمو إلى أن بداية نشاطهما تعود إلى محاولة تهريب أحد أفراد عائلة خضر من كردستان إلى أوروبا عبر إسطنبول.
من جانبها، دفعت هيئة الدفاع بأن الكم الكبير من الرسائل المتعلقة بالتخطيط اللوجستي لم يكن سوى محاولة لإضفاء مصداقية على المتهمين أمام شبكات إجرامية في الخارج، بما يخلق انطباعًا بامتلاكهما نفوذًا قد يردع أي محاولة لإلحاق الأذى بعائلة خضر.
غير أن القاضية لويد-كلارك (Judge Lloyd-Clarke) استندت في حكمها إلى أدلة مسجلة سرًا، من بينها محادثة بين شمو وزوجته عام 2023، أقر خلالها بأنه يدير شبكة واسعة من العملاء في دول أوروبية عدة، منها البوسنة وصربيا وتركيا وإيطاليا وسلوفينيا، مؤكدًا سيطرته على العمليات بمجرد وصول المهاجرين إلى تركيا.
ورأت القاضية أنه لا يوجد ما يدعو إلى الادعاء الكاذب أمام زوجته بشأن طبيعة نشاطه، ما يعزز مصداقية تلك الأدلة.
كما أفاد أحد محققي الوكالة في المحكمة بأن التقديرات تشير إلى إنفاق أكثر من 1.8 مليون جنيه إسترليني من قبل المهاجرين مقابل خدمات التهريب، رغم صعوبة تحديد حجم العائدات التي وصلت فعليًا إلى المتهمين.
وأكدت القاضية في حكمها أن النشاط كان مشروعًا إجراميًا منظمًا يهدف إلى تحقيق أرباح مالية، مشيرة إلى اقتناع المحكمة بثبوت أن المتهمين عملا ضمن شبكة منظمة، وأن دافعهما الأساسي كان الكسب المادي، وأنهما نجحا في تهريب مئات الأشخاص.
وأضافت أن نشاطهما كان راسخًا ومن المحتمل أن يستمر ويتوسع ليشمل مئات آخرين لولا توقيفهما.
وعند النطق بالحكم، وصفت القاضية الجريمة بأنها ذات طابع "متطور"، مؤكدة أن خطورتها تتفاقم بسبب تكرارها واعتمادها على استغلال أشخاص في أوضاع هشة، ودفعهم إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر عبر مسارات تم تحديدها مسبقًا.
وقضت المحكمة بأن يقضي كل من المتهمين حدًا أدنى يبلغ سبع سنوات ونصف داخل السجن قبل أن يصبح مؤهلًا للنظر في الإفراج المشروط.
وفي ختام القضية، أشار ديريك إيفانز إلى أن المحققين لم يتمكنوا من تحديد هوية الأفراد الذين تم تهريبهم، وبالتالي لا يمكن الجزم بما إذا كان لأي منهم سجل جنائي في بلدانهم الأصلية.
وقد جرى دعم التحقيق من قبل شرطة Gwent (Gwent Police)، حيث أكد المحقق سايمون توماس (Detective Sergeant Simon Thomas) أن القضية تمثل نموذجًا واضحًا لنجاح التعاون بين الجهات المختلفة في دعم الضحايا واستهداف الشبكات الإجرامية المسؤولة عن الاستغلال، مشددًا على التزام الأجهزة الأمنية في المنطقة بمساندة ضحايا العبودية الحديثة والاتجار بالبشر داخل المجتمع.
COMMENTS