يكشف تحقيق استقصائي في إنجلترا عن آلاف الأطفال داخل مدارس غير مسجلة تعمل خارج الرقابة الرسمية، وسط مخاوف من ضعف التعليم وسلامة الأطفال.
كشف تحقيق استقصائي أجرته قناة ITV News عن وجود آلاف الأطفال في إنجلترا داخل مؤسسات تعليمية غير مسجلة تعمل بعيداً عن رقابة الدولة، وسط تحذيرات من تلقي بعضهم تعليماً محدوداً أو ضعيفاً في بيئات تفتقر إلى المعايير الأساسية للسلامة والجودة.
وبحسب التحقيق، فإن المشكلة لا تقتصر على ما يُعرف بالمدارس غير القانونية، بل تمتد إلى شبكة من المؤسسات التي تصف نفسها بأنها مراكز دينية أو أماكن للدراسة المجتمعية، بينما تؤدي عملياً دور المدرسة اليومية من دون تسجيل رسمي أو تفتيش حكومي.
ويرى مسؤولون سابقون في هيئة Ofsted (أوفستد)، الجهة المكلفة بتفتيش المدارس في إنجلترا، أن حجم الظاهرة قد يكون أكبر بكثير مما هو معروف حالياً، وأن ما اكتشفته السلطات خلال السنوات الماضية لا يمثل سوى جزء من الصورة الحقيقية.
كيف تعمل هذه المؤسسات؟
في النظام التعليمي الإنجليزي لا يُلزم القانون الآباء بإرسال أبنائهم إلى مدرسة حكومية أو خاصة، بل يفرض فقط حصول الطفل على تعليم مناسب.
ويستفيد بعض القائمين على المؤسسات غير المسجلة من هذه القاعدة عبر تسجيل الأطفال رسمياً ضمن نظام «التعليم المنزلي»، ثم استقطابهم إلى مواقع تعمل فعلياً كمدارس يومية، لكنها لا تعترف بأنها مدارس من الناحية القانونية.
وبذلك لا يظهر هؤلاء الأطفال في سجلات الغياب المدرسي المعتادة، لأنهم لا يُعدّون مسجلين أصلاً في مدارس رسمية.
ويقول مفتشون سابقون إن بعض هذه المؤسسات تستغل ثغرات قانونية عبر تقليص ساعات التدريس المعلنة أو تقديم نفسها كمراكز دينية أو مجتمعية لتجنب متطلبات التسجيل والتفتيش.
مخاوف من تعليم محدود وعزلة اجتماعية
ويرى المنتقدون أن أخطر ما في هذه المؤسسات ليس فقط غياب الرقابة، بل احتمال حرمان الأطفال من المناهج الأساسية التي يحتاجونها للحياة والعمل في المجتمع الحديث.
ووفقاً لشهادات طلاب سابقين تحدثوا للتحقيق، فإن بعض الأطفال يغادرون هذه المؤسسات وهم يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة والحساب بالمستوى المتوقع لأعمارهم، كما يواجهون صعوبات في الاندماج في المجتمع أو العثور على فرص عمل لاحقاً.
وحذر Sir Michael Wilshaw السير مايكل ويلشو، المفتش العام السابق لأوفستد، من أن تلقي الأطفال تعليماً ضيق النطاق ومعزولاً عن المجتمع قد يؤدي إلى زيادة الانقسامات الاجتماعية ويحد من فرصهم المستقبلية.
مدارس دينية من خلفيات مختلفة
التحقيق لم يركز على دين أو طائفة بعينها، بل أشار إلى مؤسسات من خلفيات دينية متعددة، شملت مؤسسات يهودية ومسيحية وإسلامية.
ومع ذلك، استعرض التحقيق بصورة موسعة أوضاع بعض المدارس الدينية اليهودية غير المسجلة المعروفة باسم «يشيفا»، حيث أفاد أولياء أمور وطلاب سابقون بأن التركيز ينصب بشكل شبه كامل على الدراسات الدينية، مع ضعف أو غياب بعض المواد الأكاديمية الأساسية.
كما تناول التحقيق حالات مرتبطة ببرامج تعليم منزلي ذات توجهات دينية متشددة، قال طلاب سابقون إنها قدمت رؤية منغلقة للعالم وأثرت سلباً على قدرتهم على الاندماج في المجتمع الأوسع.
ظروف وصفت بأنها صادمة
وأشار مسؤولون سابقون في أوفستد إلى أنهم عثروا خلال عمليات التفتيش على مؤسسات تعمل في مبانٍ غير مهيأة للتعليم، بعضها داخل منشآت صناعية قديمة أو أماكن تفتقر إلى شروط السلامة الأساسية.
كما أشار التحقيق إلى أن بعض العاملين في هذه المؤسسات لم يكونوا يحملون مؤهلات تربوية مناسبة، وأن بعض المواقع لم تكن تجري فحوصات خلفية كافية للعاملين فيها.
لماذا يصعب إغلاقها؟
رغم إجراء أكثر من 1800 تحقيق خلال العقد الماضي، فإن عدد الإدانات القضائية ظل محدوداً للغاية.
ويعود ذلك، بحسب مسؤولين سابقين، إلى الثغرات القانونية وصعوبة جمع الأدلة، فضلاً عن محدودية صلاحيات المفتشين في دخول بعض المواقع أو مصادرة المستندات.
ولهذا تعتزم الحكومة البريطانية منح أوفستد صلاحيات أوسع اعتباراً من عام 2027، تشمل تسهيل التحقيق في المؤسسات غير المسجلة وملاحقة القائمين عليها قانونياً.
جوهر القضية
لا يدور الجدل في بريطانيا حول التعليم المنزلي بحد ذاته، إذ إن آلاف الأسر تستخدمه بصورة قانونية وناجحة، بل حول الأطفال الذين قد يختفون عملياً من رقابة النظام التعليمي الرسمي، وينتقلون إلى مؤسسات تعمل كمدارس كاملة من دون تسجيل أو تفتيش أو متابعة منتظمة.
ويرى منتقدو الوضع الحالي أن الخطر لا يكمن فقط في تدني جودة التعليم، بل أيضاً في احتمال نشوء أجيال كاملة تتلقى تعليماً محدوداً ومعزولاً عن المجتمع، بعيداً عن المعايير التي تلتزم بها المدارس الرسمية في البلاد.
COMMENTS