تشهد بريطانيا تكهنات متصاعدة بشأن مستقبل كير ستارمر، وسط ضغوط داخل حزب العمال وصعود آندي برنهام كمرشح محتمل لخلافته.
تعيش السياسة البريطانية واحدة من أكثر لحظاتها اضطراباً منذ وصول حزب العمال إلى السلطة، بعدما تحولت التكهنات حول مستقبل رئيس الوزراء كير ستارمر من مجرد شائعات سياسية إلى تقارير متزامنة نشرتها عدة وسائل إعلام بريطانية كبرى، تتحدث عن احتمال إعلان استقالته أو وضع جدول زمني لمغادرته منصبه خلال الأيام المقبلة.
من أين بدأت القصة؟
بدأت الأزمة تتصاعد بعد الفوز الكاسح الذي حققه آندي برنهام في انتخابات «مايكرفيلد» الفرعية، وهو الفوز الذي اعتبره كثير من نواب حزب العمال دليلاً على أن برنهام يمتلك القدرة على مواجهة صعود حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج واستعادة ثقة الناخبين.
ومع عودة برنهام إلى مجلس العموم، بدأت أعداد متزايدة من النواب والوزراء تضغط على ستارمر للتنحي أو على الأقل الإعلان عن خطة انتقال منظمة للسلطة داخل الحزب.
ماذا تقول التقارير عن يوم الاثنين؟
صحيفة «ذا أوبزرفر» ذكرت أن ستارمر بات يدرك أن الدعم البرلماني الذي كان يستند إليه يتآكل بسرعة، وأن شخصيات بارزة داخل الحزب تتوقع صدور «بيان واضح» خلال وقت مبكر من يوم الاثنين. ووفقاً للتسريبات، قد يعلن ستارمر خطة خروج تدريجية ومنظمة بدلاً من خوض معركة قيادة طويلة ومؤلمة داخل الحزب.
كما تحدثت تقارير أخرى عن أن رئيس الوزراء أمضى عطلة نهاية الأسبوع في مشاورات مكثفة مع حلفائه وأعضاء حكومته لمناقشة خياراته السياسية.
ماذا تقول صحيفة «ذا صن»؟
صحيفة «ذا صن» ذهبت أبعد من ذلك، ووصفت ستارمر بأنه أصبح «معزولاً» داخل الحزب، مشيرة إلى أن عدداً من الوزراء المقربين منه طلبوا منه وضع جدول زمني للاستقالة بدلاً من الدخول في مواجهة داخلية قد تؤدي إلى انقسام الحزب.
وبحسب الصحيفة، فإن كثيراً من النواب يرون أن برنهام أصبح المرشح الأوفر حظاً لخلافة ستارمر في حال رحيله.
هل حُسم الأمر فعلاً؟
لا.
رغم كثافة التقارير والتسريبات، لا يوجد حتى الآن أي إعلان رسمي من رئاسة الوزراء أو من ستارمر نفسه يؤكد الاستقالة.
بل إن مصادر حكومية نقلت لوكالة رويترز أن رئيس الوزراء لا يزال يركز على إدارة الحكومة ويتمسك بمنصبه، بينما أكد هو شخصياً خلال الأيام الماضية أنه سيخوض أي انتخابات قيادة داخل الحزب إذا فُرضت عليه.
لذلك فإن الحديث الدائر حالياً يتعلق بتوقعات وتسريبات وضغوط سياسية كبيرة، وليس بقرار رسمي معلن.
ما السيناريوهات المحتملة؟
- السيناريو الأول: إعلان الاستقالة أو جدول زمني للرحيل
وهو السيناريو الذي تتحدث عنه معظم التسريبات الحالية. في هذه الحالة سيبقى ستارمر لفترة انتقالية قصيرة قبل تسليم السلطة لزعيم جديد.
- السيناريو الثاني: البقاء وخوض معركة القيادة
إذا رفض ستارمر التنحي، فقد يواجه تحدياً مباشراً من برنهام أو من شخصيات أخرى داخل الحزب، وهو ما قد يفتح باب صراع داخلي طويل.
- السيناريو الثالث: موجة استقالات وزارية
بعض التقارير تشير إلى أن حلفاء برنهام يدرسون استخدام أسلوب مشابه لما حدث مع بوريس جونسون عام 2022، عبر دفع عدد كبير من الوزراء إلى الاستقالة لإجبار ستارمر على الرحيل إذا رفض المغادرة طوعاً.
لماذا يُنظر إلى آندي برنهام بوصفه الخليفة المحتمل؟
يرى مؤيدوه أنه السياسي العمالي الوحيد القادر حالياً على وقف تقدم حزب الإصلاح واستعادة الناخبين الذين غادروا حزب العمال خلال العامين الماضيين. كما أن فوزه الأخير عزز صورته داخل الحزب باعتباره شخصية قادرة على الفوز انتخابياً في مناطق أصبحت شديدة التنافس.
ولا تقتصر أهمية صعود آندي برنهام المحتمل إلى رئاسة الحكومة على الصراع داخل حزب العمال فحسب، بل تمتد إلى بُعد تاريخي وديني نادر في الحياة السياسية البريطانية. فبرنهام كاثوليكي روماني معروف بانتمائه الديني، ما يعني أنه قد يصبح أول رئيس وزراء بريطاني يتولى المنصب وهو كاثوليكي معلن وممارس لشعائره.
وقد يبدو ذلك أمراً عادياً في دولة حديثة متعددة الأديان والطوائف، إلا أن بريطانيا تحمل إرثاً تاريخياً معقداً يعود إلى القرن السادس عشر، عندما انفصلت المملكة عن الكنيسة الكاثوليكية وأصبحت كنيسة إنجلترا جزءاً من بنية الدولة نفسها. ومنذ ذلك الحين، هيمن البروتستانت والأنغليكان على أعلى المناصب السياسية، بينما بقي الكاثوليك لعقود طويلة عرضة لقيود قانونية وسياسية حالت دون وصولهم إلى مواقع النفوذ.
ورغم أن هذه القيود أُزيل معظمها منذ قرنين تقريباً، وأن ملايين الكاثوليك يعيشون اليوم في المملكة المتحدة، فإن رئاسة الوزراء بقيت عملياً حكراً على سياسيين من خلفيات بروتستانتية أو أنغليكانية أو غير دينية. ولهذا ينظر بعض المراقبين إلى احتمال وصول برنهام إلى داونينغ ستريت على أنه حدث تاريخي يتجاوز مجرد تغيير في القيادة السياسية، ليحمل معه رمزية تتعلق بتحول بريطانيا الحديثة وابتعادها التدريجي عن الانقسامات الدينية التي طبعت جانباً كبيراً من تاريخها.
حتى مساء السبت، لا توجد استقالة رسمية لكير ستارمر. لكن حجم الضغوط داخل حزب العمال، والتقارير المتطابقة الصادرة عن وسائل إعلام عدة، جعل يوم الاثنين يُنظر إليه باعتباره يوماً مفصلياً قد يحدد ما إذا كان ستارمر سيبقى في داونينغ ستريت أم سيبدأ إجراءات خروجه من السلطة. وفي جميع الأحوال، يبدو أن آندي برنهام بات اليوم الاسم الأكثر تداولاً بوصفه المرشح الأقرب لخلافته إذا وقع التغيير المنتظر.
COMMENTS