المملكة المتحدة تستلهم النموذج الدنماركي لإصلاح نظام الهجرة واللجوء

تقييد لمّ شمل العائلات، وإلزام معظم اللاجئين بالإقامة المؤقتة فقط داخل البلاد، مع تسهيل ترحيل من لا يملكون حق البقاء.




علمت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن وزيرة الداخلية البريطانية «شابانا محمود» تستعد خلال الأسابيع المقبلة للإعلان عن خطة شاملة لإعادة هيكلة نظام الهجرة واللجوء في البلاد، مستوحاة جزئيًا من التجربة الدنماركية التي تُعد من أكثر الأنظمة تشددًا في أوروبا.

تشير المعلومات إلى أن مسؤولين في وزارة الداخلية البريطانية درسوا عن كثب السياسات الدنماركية المتعلقة بتقييد لمّ شمل العائلات وإلزام معظم اللاجئين بالإقامة المؤقتة فقط داخل البلاد، في إطار مساعٍ لتقليص العوامل التي تجعل المملكة المتحدة وجهة مفضلة لطالبي اللجوء، مع تسهيل ترحيل من لا يملكون حق البقاء.

غير أن هذا التوجه يثير انقسامًا داخل حزب العمال، إذ يرى بعض نوابه من الجناح اليساري أن الاقتداء بالنموذج الدنماركي "متشدد للغاية" ويحمل ملامح "يمينية متطرفة".

ويأتي هذا التطور في وقت كشفت فيه أحدث أرقام وزارة الداخلية عن عبور 1,269 مهاجرًا القنال الإنجليزي في قوارب صغيرة يومي الخميس والجمعة الماضيين، بعد أسبوعين من سوء الأحوال الجوية الذي حال دون عمليات العبور.

وفي كلمة لها خلال مؤتمر حزب العمال في سبتمبر/أيلول الماضي، تعهدت محمود بـ"القيام بكل ما يلزم" لاستعادة السيطرة على حدود المملكة المتحدة.

وتُبدي الوزيرة إعجابها بتجربة الدنمارك التي نجحت في خفض عدد طلبات اللجوء المقبولة إلى أدنى مستوى منذ أربعة عقود، باستثناء عام 2020 الذي شهد قيودًا على السفر بسبب الجائحة.

وأوفدت محمود الشهر الماضي وفدًا من كبار مسؤولي وزارة الداخلية إلى العاصمة كوبنهاغن لدراسة التجربة الدنماركية عن قرب واستكشاف إمكانية تطبيق بعض سياساتها في بريطانيا.


في الدنمارك، يحصل اللاجئون الذين يتعرضون لملاحقة مباشرة من أنظمة أجنبية على حماية دائمة، في حين لا يُمنح الفارّون من مناطق النزاعات سوى إقامات مؤقتة. وعندما ترى الحكومة أن أوطانهم أصبحت آمنة، يمكن إعادتهم إليها.


كما تم تمديد المدة المطلوبة للحصول على الإقامة الدائمة، مع فرض شروط إضافية أبرزها الالتحاق بعمل بدوام كامل.

وتشمل الإجراءات الدنماركية المثيرة لاهتمام لندن تشديد قوانين لمّ الشمل. إذ يشترط أن يكون اللاجئ المقيم وشريكه الذي يسعى للانضمام إليه قد بلغا سن الرابعة والعشرين على الأقل، في خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى الحد من الزواج القسري.

كما يُشترط ألا يكون الشريك المقيم قد تلقى إعانات اجتماعية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وأن يقدّم ضمانًا ماليًا، بالإضافة إلى اجتياز الطرفين اختبارًا في اللغة الدنماركية.

ولا يُسمح للاجئين المقيمين في مناطق تصنفها الحكومة على أنها "مجتمعات موازية" — أي تلك التي يزيد فيها عدد السكان من خلفيات "غير غربية" على 50% — بالاستفادة من لمّ الشمل مطلقًا.

هذا القانون المثير للجدل، الذي يتيح للدولة بيع أو هدم المباني السكنية الواقعة ضمن تلك المناطق، تقول الحكومة إنه يهدف إلى تعزيز الاندماج، بينما وصفه مستشار كبير في محكمة العدل الأوروبية مطلع هذا العام بأنه تمييزي على أساس الأصل العرقي.




وفي سبتمبر/أيلول، علّقت وزارة الداخلية البريطانية مؤقتًا استقبال طلبات جديدة ضمن برنامج لمّ شمل أسر اللاجئين، ريثما تُعاد صياغة القواعد المنظمة له. وكان البرنامج السابق يسمح بقدوم الأزواج والأبناء دون 18 عامًا إلى المملكة المتحدة دون الحاجة إلى اجتياز اختبارات الدخل أو اللغة الإنجليزية المفروضة على المهاجرين الآخرين.

ومن غير المتوقع أن تصل الإجراءات البريطانية الجديدة إلى مستوى التشدد الدنماركي، إلا أن من المرجح أن تتجه في مسار أكثر تقييدًا.

وفي هذا السياق، زارت BBC مؤخرًا الدنمارك لتقصي آلية عمل نظامها للهجرة.

وقال وزير الهجرة والاندماج الدنماركي «راسموس ستوكلوند»، وهو من حزب الديمقراطيين الاجتماعيين (الحزب الشقيق لحزب العمال البريطاني):
"لقد شددنا قوانيننا بطرق عديدة. نعيد عددًا أكبر من المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، ونجعل لمّ الشمل أكثر صعوبة. كما أن ترحيل من يرتكبون جرائم أصبح أسرع وأسهل، وأطلقنا برامج لمساعدة الراغبين في العودة طوعًا إلى أوطانهم."

ولا توجد مؤشرات على أن الحكومة البريطانية ستتبنى سياسة الحوافز المالية التي تقدمها الدنمارك، والتي تصل إلى ما يعادل 24 ألف جنيه إسترليني للراغبين في العودة إلى بلادهم، وتشمل دعمًا لتعليم أبنائهم.

لكن بعض ملامح النهج الدنماركي، بحسب BBC، تخضع لمراجعة دقيقة داخل وزارة الداخلية البريطانية.

ويقول ستوكلوند إن تشديد سياسات الهجرة والاندماج هدفه حماية النسيج الاجتماعي في الدنمارك، باعتبارها بلدًا صغيرًا من حيث عدد السكان والمساحة مقارنة بالمملكة المتحدة.
وأضاف: "نتوقع من كل من يأتي إلى هنا أن يشارك ويساهم بشكل إيجابي، وإذا لم يفعل، فهو غير مرحب به."

وفي كلٍّ من بريطانيا والدنمارك، يدور جدل سياسي حول ما إذا كانت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) تعرقل ترحيل المجرمين الأجانب. وكحال نظيرتها البريطانية، لا تعتزم الحكومة الدنماركية الانسحاب من الاتفاقية، لكنها تدرس إدخال تعديلات عليها.

وأطلقت كوبنهاغن مراجعة رسمية لدراسة كيفية تطبيق ذلك، فيما أعرب ستوكلوند عن ترحيبه بالتعاون مع لندن في هذا المجال، قائلًا:
"يسعدني دائمًا أن أسمع أن دولًا أخرى تشاركنا المخاوف ذاتها وتشعر بالإحباط نفسه الذي نشعر به في الدنمارك."

وتشير التقارير إلى أن وزيرة الداخلية البريطانية تتطلع إلى لقاء ستوكلوند في أقرب وقت ممكن.

من الناحية السياسية، يرى مراقبون أن حزب العمال يمكن أن يستفيد من التجربة الدنماركية. ففي عام 2015، واجهت حكومة وسط يسار أزمة مع تصاعد نفوذ حزب الشعب الدنماركي اليميني الشعبوي، وتزايد المخاوف الشعبية من الهجرة — في مشهد يُذكّر بوضع المملكة المتحدة اليوم، حيث يحافظ حزب "ريفروم يو كيه" على تقدمه في بعض استطلاعات الرأي على حساب حزب العمال.

ووفقًا لمسؤولي داونينغ ستريت، هناك اهتمام بكيفية نجاح الديمقراطيين الاجتماعيين في الدنمارك في استعادة السلطة، بعد أن تبنوا سياسات أكثر تشددًا في ملف الهجرة دون خسارة هويتهم التقدمية.

وقالت «إيدا أوكن»، المتحدثة باسم الحزب للشؤون البيئية:
"إن تبني نهج أكثر صرامة في ملف الهجرة منحنا مساحة للتحرك في ملفات أخرى، مثل التعليم، والضمان الاجتماعي، والتحول الأخضر. ما كان لنا أن نحقق هذه الأهداف لولا تلك السياسات الحازمة في الهجرة."

ويرى بعض الوزراء البريطانيين أن هذه المقاربة تستحق الدراسة.

لكن منتقدين يشيرون إلى اختلاف الظروف بين البلدين؛ فالدنمارك لا تواجه ظاهرة قوارب المهاجرين الصغيرة عبر البحار، كما أن اللغة الدنماركية محدودة الانتشار مقارنة بالإنجليزية، وهو ما يقلل من عدد الراغبين في اللجوء إليها.

إضافة إلى ذلك، حظيت السياسات المتشددة بدعم واسع داخل البرلمان الدنماركي، على عكس حزب العمال الذي يشهد انقسامًا واضحًا حول القضية.

وقال النائب «كليف لويس»، من الجناح اليساري في حزب العمال، إن الديمقراطيين الاجتماعيين في الدنمارك "انتهجوا خطًا متشددًا للغاية وتبنّوا خطابًا قريبًا من اليمين المتطرف"، مضيفًا:
"صحيح أن حزب العمال بحاجة إلى استعادة بعض الناخبين الذين يميلون لحزب ريفروم، لكن لا يمكن فعل ذلك على حساب خسارة الأصوات التقدمية."

أما النائبة «ناديا ويتوم»، عن دائرة نوتنغهام الشرقية وعضو مجموعة الحملة الاشتراكية داخل الحزب، فوصفت التوجه نحو النموذج الدنماركي بأنه "مسار خطير"، مؤكدة أن بعض سياسات كوبنهاغن، خصوصًا المتعلقة بـ"المجتمعات الموازية"، "عنصرية بوضوح".
وقالت في مقابلة مع برنامج "توداي" على إذاعة BBC Radio 4:
"أعتقد أن هذا طريق مسدود أخلاقيًا وسياسيًا وانتخابيًا."

في المقابل، رأى النائب «جاريث سنيل» عن دائرة ستوك أون ترينت الوسطى أن التجربة الدنماركية "تستحق الدراسة"، مشيرًا إلى أن الناخبين في دائرته فقدوا الثقة بالنظام الحالي ويعتبرونه "غير عادل بطبيعته".
وأوضح: "إذا حصل شخص على اللجوء ثم تمكن لاحقًا من العودة بأمان إلى بلده للمساهمة في إعادة إعماره، فعلينا أن ندعم ذلك."

وقالت «جو وايت»، التي تترأس مجموعة تضم 50 نائبًا عن حزب العمال في مناطق "الجدار الأحمر" بوسط وشمال إنجلترا، إنها تؤيد المضي أبعد في الاتجاه الدنماركي، محذّرة من أن تجاهل تلك السياسات سيكلّف الحزب ثمنًا انتخابيًا باهظًا.
وأضافت:
"إن لم نتبنَّ سياسات مشابهة، مثل إلزام بعض طالبي اللجوء بالمساهمة في تكاليف إقامتهم، فستكون النتيجة أننا سندخل الانتخابات العامة المقبلة وحزب ريفروم سيكون المنافس الأقوى في معظم مقاعد حزب العمال... وسنتعرض لهزيمة ساحقة."

COMMENTS

Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS PREMIUM CONTENT IS LOCKED STEP 1: Share to a social network STEP 2: Click the link on your social network Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content