ما يقارب ثلاثة آلاف جريمة مرتبطة بالعنف القائم على الشرف سُجِّلت لدى الشرطة في إنجلترا وويلز خلال العام المنتهي في مارس/آذار 2025.
تتخذ الحكومة البريطانية إجراءات حاسمة عبر التعجيل بإدخال تعريف قانوني جديد لما يُعرف بـ“العنف القائم على الشرف”، في خطوة تهدف إلى تعزيز حماية الضحايا وتحسين استجابة المؤسسات الرسمية لهذا النوع من الجرائم.
وبموجب هذه الخطوة، سيحظى ضحايا والناجون من العنف القائم على الشرف بمستويات أعلى من الحماية، من خلال اعتماد تعريف قانوني واضح وإصدار إرشادات مهنية من شأنها تحسين أداء العاملين في الخطوط الأمامية، وتمكينهم من تقديم دعم أكثر فعالية للضحايا، إلى جانب تعزيز قدرة الجهات المختصة على ملاحقة الجناة ومحاسبتهم.
وتُظهر الإحصاءات الحديثة أن ما يقارب ثلاثة آلاف جريمة مرتبطة بالعنف القائم على الشرف سُجِّلت لدى الشرطة في إنجلترا وويلز خلال العام المنتهي في مارس/آذار 2025.
غير أن الطبيعة الخفية لهذا النوع من الجرائم تجعل هذه الأرقام مرجّحة لأن تكون أقل بكثير من الواقع، إذ يُعتقد أن عددًا كبيرًا من هذه الوقائع المؤلمة والجرائم الخطيرة لا يُبلَّغ عنه، ما يعني أن الأرقام المسجلة قد لا تمثل سوى الجزء الظاهر من المشكلة.
وقد أُدرج تعريف قانوني للعنف القائم على الشرف ضمن Crime and Policing Bill (مشروع قانون الجريمة والعمل الشرطي)، وهو المشروع التشريعي الرئيس الذي تقوده الحكومة في هذا المجال. وإلى جانب منح السلطات المختصة صلاحية إصدار إرشادات قانونية ملزمة، من المتوقع أن يسهم هذا التعريف في تمكين الشرطة والأخصائيين الاجتماعيين وسائر الجهات العامة من التعرف بصورة أدق إلى هذا النوع من الجرائم والتعامل معه بفعالية أكبر.
كما سيضع التعريف الجديد إطارًا واضحًا للتوقعات المهنية بالنسبة إلى العاملين الذين تقع على عاتقهم مسؤوليات الحماية، بما يضمن معالجة هذه القضايا بطريقة أكثر اتساقًا وفعالية، ويحول دون ضياع معلومات حيوية قد تكون ضرورية لإثبات المسؤولية الجنائية للجناة أمام المحاكم.
وقد حظيت هذه الخطوة بدعم أكثر من ستين مؤسسة خيرية ومنظمة مجتمع مدني، من بينها منظمة Karma Nirvana (كارما نيرفانا)، التي تقود حملة للمطالبة بهذه الإصلاحات منذ جريمة القتل المأساوية التي راحت ضحيتها Fawziyah Javed (فوزية جاويد) عام 2021.
وكانت فوزية جاويد، وهي من مدينة ليدز وكانت حاملاً آنذاك، قد قُتلت بوحشية بعدما دفعها زوجها من مرتفع Arthur’s Seat (آرثرز سيت) في إدنبرة. وقد شكّلت هذه القضية مثالًا مأساويًا على الكيفية التي يمكن أن تقود بها التصورات الضارة المرتبطة بما يُسمّى “الشرف” أو “العار” إلى نتائج مأساوية.
وكانت الضحية قد عانت من عنف أسري تفاقم بسبب العنف القائم على الشرف خلال الفترة التي سبقت وفاتها، وهو ما أبرز الحاجة الملحّة إلى تحسين قدرة الأنظمة الرسمية على التعرف إلى هذا النوع من الانتهاكات والتعامل معه بفاعلية أكبر.
وفي تعليقها على هذه الخطوة، قالت Jess Phillips (جيس فيليبس)، وزيرة شؤون الحماية ومكافحة العنف ضد النساء والفتيات:
لا يوجد أي شرف في ما يُسمّى بالعنف القائم على الشرف.
لقد أُسيء فهم هذه الجرائم المدمّرة لفترة طويلة، وغالبًا ما خُذل الضحايا على نحو مؤلم.
أما الآن فنحن نواجه هذه الجرائم بشكل مباشر ونسعى إلى إخراجها من دائرة الظل.إن إدخال تعريف قانوني جديد، إلى جانب إرشادات أساسية ضمن التشريع، سيضمن تعاون المهنيين وتنسيق جهودهم لحماية مزيد من الضحايا، وضمان مثول مزيد من الجناة أمام العدالة.
ويشمل العنف القائم على الشرف مجموعة من الجرائم الخطيرة، من بينها جرائم القتل بدافع ما يُسمّى الشرف، وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث Female Genital Mutilation – FGM (تشويه الأعضاء التناسلية للإناث)، إضافة إلى الزواج القسري، وهي جرائم غالبًا ما تُرتكب في إطار من السرية الشديدة، ما يزيد من صعوبة اكتشافها والتعامل معها.
وقد أُدخل التعريف القانوني الجديد، إلى جانب الصلاحية الممنوحة لإصدار الإرشادات القانونية الملزمة، من خلال تعديل قُدّم في مرحلة التقرير لمشروع قانون الجريمة والعمل الشرطي داخل House of Lords (مجلس اللوردات)، وهو ما سيجعل هذين الإجراءين جزءًا من التشريع المعمول به في كل من إنجلترا وويلز.
ويهدف مشروع القانون إلى استعادة ثقة الجمهور في نظام العدالة الجنائية، كما يأتي في سياق الجهود الحكومية الواسعة لتحقيق أهداف طموحة تتمثل في خفض كل من جرائم السكاكين والعنف ضد النساء والفتيات إلى النصف خلال العقد المقبل.
من جانبها، قالت Natasha Rattu (ناتاشا راتو)، المديرة التنفيذية لمنظمة كارما نيرفانا:
ترحّب منظمة كارما نيرفانا بتقديم تعديل تشريعي يقضي بإدخال تعريف قانوني للعنف القائم على الشرف.فقد أدى غياب تعريف قانوني واضح لهذه الجرائم لفترة طويلة إلى تفاوت في مستوى التعرف إليها والاستجابة لها، الأمر الذي ترك العديد من الضحايا عرضة للخطر، وأتاح في بعض الحالات للجناة الإفلات من المساءلة.إن اعتماد تعريف قانوني ملزم يمثل خطوة أساسية نحو تمكين الشرطة والنيابة العامة والمهنيين في القطاع الصحي وخدمات الرعاية الاجتماعية من التعرف المبكر إلى حالات الإساءة والتدخل بفعالية أكبر.ونحن نرحب برؤية هذا الالتزام يتقدم في مساره داخل البرلمان، وسنواصل متابعته عن كثب لضمان أن يترجم إلى حماية حقيقية وملموسة للأشخاص المعرّضين للخطر.
وبالتوازي مع ذلك، تعمل وزارة الداخلية البريطانية على دراسة إمكانية إجراء بحث شامل لقياس مدى انتشار جرائم الزواج القسري وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وهو ما أُعلن عنه للمرة الأولى في أغسطس/آب الماضي، بهدف تكوين صورة أدق عن حجم انتشار هذه الجرائم.
كما يجري التحضير لإطلاق حملة للتواصل المجتمعي تشجع الضحايا على التقدم للإبلاغ وطلب المساعدة.
ومن شأن هذه المبادرات أن تسهم في الكشف عن الحجم الحقيقي لهذه الانتهاكات، وضمان حصول مزيد من الضحايا على الدعم والحماية اللذين يستحقونهما، إلى جانب تمكين السلطات من تقديم أخطر الجناة إلى العدالة.
وتأتي هذه الإجراءات في أعقاب نشر VAWG Strategy (استراتيجية مكافحة العنف ضد النساء والفتيات) في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهي الاستراتيجية التي تحدد كيفية توظيف مختلف أدوات الدولة لحماية النساء والفتيات، والعمل على خفض جرائم العنف ضدهن إلى النصف خلال السنوات العشر المقبلة.
COMMENTS