في السابع من مايو/أيار، سيتوجه ملايين الناخبين في إنجلترا واسكتلندا وويلز إلى صناديق الاقتراع لاختيار أكثر من خمسة آلاف مسؤول سياسي.
تكتسب الانتخابات التي تشهدها المملكة المتحدة هذا العام أهمية تفوق بكثير ما قد يعتقده كثيرون، إذ يُرجَّح أن تترك نتائجها آثارًا عميقة، سواء في المدى القريب مباشرة بعد إعلانها، أو على امتداد السنوات المقبلة.
في السابع من مايو/أيار، سيتوجه ملايين الناخبين في إنجلترا واسكتلندا وويلز إلى صناديق الاقتراع لاختيار أكثر من خمسة آلاف مسؤول سياسي، ضمن عملية انتخابية قد تُفضي إلى نتائج غير مسبوقة في تاريخ المملكة المتحدة.
فالاستحقاقات الوطنية في كلٍّ من ويلز واسكتلندا قد تفتح الباب أمام مسار يؤدي إلى تفكك المملكة المتحدة، في حين قد تُسفر انتخابات المجالس المحلية في إنجلترا عن إضعاف شديد لكلٍّ من حزب العمال وحزب المحافظين. أما على المستوى العام، فقد تشكّل هذه النتائج بداية النهاية السياسية لرئيس الوزراء السير كير ستارمر.
ما الذي يحدث في كل منطقة؟ وما أبرز التغييرات؟
في إنجلترا، تُجرى انتخابات لشغل 4,851 مقعدًا في المجالس المحلية، موزعة على 134 منطقة من أصل 317 منطقة مجلس.
وتشمل هذه الانتخابات مدنًا كبرى مثل لندن ومانشستر وبرمنغهام ونيوكاسل، إلى جانب مقاطعات مثل إسكس ونورفولك وسوفولك.
وللمرة الأولى، سيُتاح للناخبين الإدلاء بأصواتهم حضوريًا خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة ليوم الاقتراع، وذلك ضمن تجارب تُنفّذ في كامبريدج وتنبريدج ويلز ونورث هيرتفوردشير.
كما ستُجرى تجربة أخرى في ميلتون كينز، حيث سيتمكن السكان من التصويت في مركز مركزي واحد — داخل مركز تسوق — مفتوح لجميع الناخبين، بدلًا من التقيد بمركز اقتراع محدد.
وتُعدّ هذه التجارب أول تعديل على آلية التصويت داخل مراكز الاقتراع منذ عام 1872.
ما الذي يجري في اسكتلندا وويلز؟
في ويلز، يشهد النظام الانتخابي تغييرًا للمرة الأولى منذ أول انتخابات مُفوّضة عام 1999.
إذ سيرتفع عدد مقاعد البرلمان الويلزي من 60 إلى 96، في حين سينخفض عدد الدوائر الانتخابية من 40 إلى 16، على أن تنتخب كل دائرة ستة ممثلين.
وسيقتصر تصويت الناخبين على صوت واحد فقط، بدلًا من صوتين كما كان معمولًا به سابقًا، كما ستقتصر أوراق الاقتراع على عرض أسماء الأحزاب دون المرشحين. وكان الناخبون في السابق قادرين على منح صوت لمرشح وآخر لحزب.
ويهدف هذا التعديل إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة التمثيلية، بحيث يتناسب عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب مع نسبة الأصوات التي ينالها، غير أن منتقدين يرون أنه قد يمنح أفضلية للأحزاب الصغيرة. إقرأ أكثر
أما في اسكتلندا، التي تنتخب 129 عضوًا للبرلمان الاسكتلندي، فلا يزال العمل قائمًا بنظام "العضو الإضافي" الذي تخلّت عنه ويلز، ما يعني أن الناخبين سيُدلون بصوتين: أحدهما لمرشح والآخر لحزب. إقرأ أكثر
وفي كلٍّ من اسكتلندا وويلز، يُسمح لمن بلغوا السادسة عشرة من العمر بالتصويت، بينما يظل سن الاقتراع في إنجلترا 18 عامًا، إلى حين خفضه على مستوى المملكة المتحدة قبل الانتخابات العامة المقبلة.
انتخابات مؤجلة رغم القرار السابق
تُجرى عدة انتخابات في إنجلترا رغم أن الحكومة كانت قد وافقت سابقًا على تأجيلها بسبب ضغوط تتعلق بالقدرة التنظيمية.
غير أن طعنًا قانونيًا تقدّم به حزب الإصلاح "ريفورم يو كيه" أدى إلى استمرار إجرائها.
ويُشار إلى أن المنتخبين في ويلز واسكتلندا يتخذون قرارات تؤثر في بلديهما بالكامل، بينما يقتصر دور أعضاء المجالس المحلية في إنجلترا على إدارة شؤون مناطقهم.
وتحمل هذه الانتخابات أهمية حاسمة بالنسبة لحزب العمال، وقد تكون لها تبعات مصيرية على مستقبل ستارمر السياسي.
حزب العمال على المحك — هل تقترب نهاية ستارمر؟
قد يشكّل الأداء الضعيف في انتخابات مايو بداية النهاية لرئيس الوزراء، رغم تأكيده المتكرر أنه لن يستقيل.
ومن المعتاد أن تواجه الأحزاب الحاكمة تراجعًا في انتخابات منتصف الدورة، وهو ما سيستند إليه مسؤولو حزب العمال في تفسير النتائج، إلا أن الانحدار الحاد للحزب منذ فوزه الساحق في الانتخابات العامة عام 2024 يُعدّ لافتًا.
فحتى وقت قريب، كان حزب العمال يبدو في موقع مهيمن على الساحة السياسية في المملكة المتحدة، مع توقعات باستعادة السيطرة على اسكتلندا من الحزب الوطني الاسكتلندي لأول مرة منذ عام 2007، والاستمرار في تحقيق الانتصارات في ويلز.
لكن تراجع شعبية ستارمر يضع الحزب أمام احتمال عدم الفوز في ويلز لأول مرة، متأخرًا خلف "بلايد كيمرو" و"ريفورم يو كيه".
وفي اسكتلندا، بلغت حالة عدم الرضا عن ستارمر حدًّا دفع زعيم حزب العمال الاسكتلندي، «أنس سروار»، إلى عقد مؤتمر صحفي في فبراير/شباط طالب فيه باستقالته.
ومع ذلك، لم يُحدث هذا التحرك أثرًا ملموسًا، وقد يجد حزب العمال نفسه متأخرًا ليس فقط عن الحزب الوطني الاسكتلندي، بل أيضًا عن "ريفورم يو كيه".
وإذا تكبّد الحزب خسائر كبيرة في إنجلترا، وفشل في تحقيق نتائج جيدة في ويلز واسكتلندا، فمن المرجح أن يسعى نوابه إلى استبداله بشخصيات مثل «أنجيلا راينر» أو «ويس ستريتينغ» أو غيرهما.
سيطرة القوميين — هل يلوح تفكك المملكة المتحدة؟
لا يقتصر الرهان في هذه الانتخابات على بقاء ستارمر، إذ قد تُسهم نتائج اسكتلندا وويلز في فتح الباب أمام تفكك المملكة المتحدة.
ففي حال فوز كلٍّ من "بلايد كيمرو" والحزب الوطني الاسكتلندي، ستكون هذه المرة الأولى التي تُدار فيها جميع الأقاليم المفوّضة من قبل أحزاب قومية تسعى إلى الاستقلال — إلى جانب حزب "شين فين" الذي يمتلك أكبر عدد من المقاعد في إيرلندا الشمالية.
ويرى الحزب الوطني الاسكتلندي أن تحقيق أغلبية في مايو/أيار سيُعدّ دليلًا على رغبة الاسكتلنديين في إجراء استفتاء جديد على الاستقلال، بعد تصويتهم للبقاء ضمن المملكة المتحدة عام 2014.
أما "بلايد كيمرو"، فرغم سعيه إلى استقلال ويلز، يؤكد أنه لن يدعو فورًا إلى استفتاء في حال فوزه، إذ يرى زعيمه، «رون أب إيوروث»، ضرورة إثبات قدرة الحزب على إدارة ويلز قبل خوض حملة الاستقلال.
وفي إيرلندا الشمالية، يسعى "شين فين" أيضًا إلى مغادرة المملكة المتحدة، إلا أن ذلك يظل أكثر تعقيدًا بسبب اتفاق "الجمعة العظيمة".
في المقابل، شدّد حزب العمال على أنه لن يسمح بإجراء استفتاء جديد في اسكتلندا، كما يُستبعد بشدة أن يوافق على استفتاءات مماثلة في ويلز أو إيرلندا الشمالية.
ومع ذلك، فإن استمرار فوز الأحزاب القومية لسنوات قادمة قد يعزز الدعوات إلى الاستقلال.
"ريفورم" والخُضر — هل يقترب نظام الحزبين من نهايته؟
منذ الانتخابات العامة عام 2024، تتزايد التوقعات بإمكانية انتهاء نظام الحزبين التقليدي في المملكة المتحدة، وتُعدّ هذه الانتخابات اختبارًا حقيقيًا لذلك.
فقد تعهّد «نايجل فاراج» بأن يحلّ حزب "ريفورم يو كيه" محلّ المحافظين، بينما يسعى «زاك بولانسكي» إلى أن يحلّ حزب الخُضر محلّ حزب العمال.
ورغم أن الحزبين لا يزالان محدودي التمثيل على المستوى الوطني، فإن نجاحهما في التفوق على العمال أو المحافظين قد يفتح الباب أمام بديل سياسي حقيقي.
لكن المخاطر قائمة أيضًا؛ فإذا أخفق "ريفورم يو كيه" في تحقيق نتائج تتماشى مع استطلاعات الرأي، فقد يُنظر إلى دعمه على أنه بلغ ذروته. أما إذا أخفق الخُضر، فقد يعزز ذلك الانطباع بأن نجاحهم يظل محصورًا في مناطق محدودة.
وتشير التوقعات إلى أداء قوي للحزبين؛ إذ يعتقد "ريفورم" بإمكانية الفوز في ويلز، بينما يرى بولانسكي أنه قادر على تحويل لندن إلى مدينة خضراء.
ولا ينبغي إغفال الديمقراطيين الأحرار، الذين يُعدّون تقليديًا القوة الثالثة في السياسة البريطانية، وغالبًا ما يحققون نتائج جيدة في الانتخابات غير العامة عندما يسعى الناخبون إلى بدائل.
الأهمية العملية للانتخابات
بعيدًا عن التداعيات السياسية الكبرى، تحمل انتخابات السابع من مايو/أيار أهمية مباشرة في حياة المواطنين، إذ ستحدد من سيتولى إدارة قطاعات مثل التعليم والصحة في اسكتلندا وويلز، ومن سيتخذ القرارات المحلية في إنجلترا بشأن قضايا مثل صيانة الطرق وتخطيط البناء.
وفي نهاية المطاف، يبقى القرار بيد الناخب: أي حزب سيتولى إدارة خدماتك اليومية — وأي حزب ترى أنه يستحق أن يُلقى به في سلة المهملات.
COMMENTS